كتب: حسن علي طه
قد يزوّر التاريخُ الحقائق، لكنه لا يستطيع أن يُلغيها.
الكاتب المصري عادل حمودة، في مؤلفه النكتة السياسية في مصر، يروي طرفة عن أنور السادات، مفادها أن السادات كان في مجالسه كثيرًا ما يذكر الزعيم جمال عبد الناصر، وفي كل سالفة يقول:
«قلت له يا جمال افعل كذا، ويا جمال لا تفعل كذا…».
وفي يومٍ أتاه الزعيم عبد الناصر في المنام وقال له:
«أنت قلت لي أمّم قناة السويس، وقلت لي ابنِ السد العالي، وكل إنجازات مصر أنت وراءها، ولكنك كنت تقول لي: يا جمال».
والشاهد أن أنور السادات لم يكن ينادي الزعيم عبد الناصر إلا بـ«يا ريس».
وهكذا هو حال كثيرين ممّن أوصلتهم صُدَف الحياة إلى ما لا يصدقونه هم أنفسهم، فيجدون ذواتهم، وهم الأقزام، لا يقدرون إلا على محاولة تقزيم العمالقة كي يشعروا بالمساواة.
أمس أطربنا ساكن بعبدا بمسرحية هزلية، نافست في هزالها أعمال الزعيم عادل إمام في مسرحية الزعيم، الذي مات في أول المسرحية، مما اضطر مشغّلي “الزعيم” إلى الاستعانة بأحد الكومبارس من المواطنين لإكمال الدور، كون الشبه مطابقًا جدًا.
واللافت أن الكومبارس لبس دور الرئيس كالقميص.
تحدث ساكن بعبدا عن أنه، في عهده ومنذ سنة، إنجازٌ لم تُطلق خلاله رصاصة واحدة على العدو الإسرائيلي من جنوب لبنان، وأنه منذ أربعين سنة، وللمرة الأولى، تكون سيادة الدولة على الحدود الجنوبية.
وفي أبشع صور التزوير والتحريف، يُطرح السؤال: ماذا عن رصاصات العدو، وصواريخه، واغتيالاته؟
أم أن السيادة حدودها باب القصر الذي يسكنه، عدا الباحة الخارجية التي صرّح فيها توم براك واصفًا إعلامي قصرك بالحيوانات، فبلعت لسانك؟ الحقيقة أننا رأينا وسمعنا.
وكانت قبله العاشقة أورتاغوس، بما لديها من سطوة، زادتها نجمة داوود السداسية.
أطال الله عمر فخامة إميل لحود، يوم وضع حدًا لوزيرة خارجية أمريكا أولبرايت وأقفل الخط بوجهها.
المهم، استرسل ساكن القصر بما كُتب له، فكان كطائر دوريٍّ سكران، يظن نفسه نسرًا، متحدثًا عن إنجازاته في شتى مجالات وشؤون الحياة، حتى ليُخيّل إليك أنك في جنيف لا في بعبدا.
أما وقد مضى عامٌ وعشرة أيام من عمرك، فسيمضي ما تبقّى، وتبقى الجبال في مكانها.
ليست هذه آخر المطاف؛
عشنا مع أمين الجميل أيام خطوط التماس،
وعشنا مع ترويكا عبد الحليم خدام، الذي أراد إرسال الجيش إلى الجنوب لضربه بالمقاومة، فكان إميل لحود بالمرصاد.
ثم جاء عهد أضعف ضابط في الجيش، وفق ما أتى في ويكيليكس، ميشال سليمان، الذي استبدل المعادلة الذهبية «جيش، شعب، مقاومة» بساعة ذهبية، حتى يتسنى له معرفة توقيت متى نُقتل ونُذبح ونُحتل.
ومن ثم ملك الإصلاح والتغيير، عمّ الصهر جبران،
لينتهي بنا المقام والمقال مع ما تبقّى من خمس سنوات، ليرحل كما يرحل كل همٍّ ومصاب.
سنرى ونسمع…
عادتنا أن نتصارع مع أسياد لا عبيد.
أوغاد، بضاعة وضيعة، شبه الصين.
ويبقى الحكم للتاريخ، لا للضجيج، وللثوابت لا للعابرين.